
الأطفال يشعرون بكل شيء يا سيدي يشعرون بالصمت وبالحزن ويشعرون عندما يكون من يفترض أن يعتني بهم بعيدا حتى لو كان قريبا. ابتلع ليوناردو ريقه بقسوة. كانت كلماتها تمسه في أعماقه كأن أحدا أخيرا قال بصوت مرتفع ما حاول أن يخفيه طويلا. حرك رأسه قليلا وغادر الغرفة وقد امتلأت عيناه بالـ,ـدموع. عند الغروب دخلت ماريا بهدوء مكتب رب عملها لتعيد قطعة قماش فتوقفت عندما سمعت صوت بكاء مكتوم. كان ليوناردو جالسا ينظر
إلى صورة زوجته. خرج صوته مكسورا لقد ماتت وهي تتصل بي ولم أرد. كنت في اجتماع والآن حتى ابنتي تظن أنني السبب. وقفت ماريا صامتة ثم قالت بكل احترام الذنب يا سيدي كظل طويل. كلما حاولنا الهرب منه لحق بنا. أما إذا واجهناه تلاشى. نظر إليها بدهشة تلك المرأة البسيطة ذات اليدين الخشنتين تنطق بكلمات يحملها أعمق حكماء العالم. وفي تلك اللحظة بدأ شيء يتغير لأول مرة يستمع millionaire إلى صوت خارج فقاعته صوت يأتي من قلب شخص عانى كثيرا وعرف معنى الخـ,ـسارة.
ومن دون أن يدروا ولدت بينهما رابطة خفية صنعها الألم المشترك ورسمتها ابتسامة رضيعة عادت تأكل وتبتسم. ومع مرور الأيام أخذ المنزل يتغير. حل محل الصمت الخانق صوت ضحكة خفيفة وصوت أوان تتحرك في المطبخ ولحن بسيط تغنيه ماريا وهي تعمل. لم تكن مجرد عاملة كانت تعيد الحياة لما انكسر لا بالأدوية بل بالحضور. وكان ليوناردو يراقب من بعيد. أحيانا يتظاهر بالعمل في مكتبه لكن عينيه سرعان ما تعودان إلى شاشات المراقبة وهو يرى ماريا تلعب مع طفلته تخترع لها ألعابا من الأقمشة والملاعق تغني بصوت يشبه ذاكرة قديمة ودفئا كان قد نسيه.
وللمرة الأولى منذ شهور شعر بشيء يلامس صدره شيء يشبه الأمل وربما الإرباك. كان يخبر نفسه بأنه يجب أن يبقى بعيدا فهي مجرد موظفة. لكن كلما حاول ذلك وجده يتلاشى أمام بساطتها وقلبها الكبير. في إحدى الأمسيات الممطرة لاحظت ماريا أن كاميلة تسعل بشدة. هرعت إلى غرفتها ووجدت جبينها ساخنا. حاولت الاتصال بليوناردو لكنه لم يجب. فأخذت الطفلة مسرعة إلى المستشفى. وعندما عاد ليوناردو للمنزل ورأى الغرفة فارغة أصيب بالذعر. اتصل بها وهو يـ,ـصرخ
أين أنت! ماذا فعلت بابنتي! فأجابته بصوت هادئ إنها في المستشفى يا سيدي لقد اتصلت بك ولم تجب. هرع إلى هناك وهناك شاهد ما لن ينساه ماريا تجلس بجانب سرير طفلته تمسك بيدها الصغيرة بينما تركب المـ,ـمرضة لها المحلول. كانت كاميلة رغم حماها نائمة بسلام. قالت ماريا ستكون بخير إنها حمى من قلة الطعام. تحول غضبه إلى شعور بالخجل. قال بصوت منكسر ظننت أنك أخذتها. أجابته عندما نحب يا سيدي يتحدث الخوف قبل العقل.
نزعت تلك الكلمات سـ,ـلاحه بالكامل. وبمرور الأيام أصبح يشارك في روتين طفلته. يحاول إطعامها ويحملها رغم تردده. وكلما أخطأ ابتسمت ماريا وقالت هكذا يتعلم الآباء. بدأت الأحاديث بينهما تطول عن كل شيء ولا شيء. كانت ماريا تحكي عن طفلها غابرييل الذي تركته عند والدتها ليتمكن من الذهاب إلى المدرسة. وكان هو يتحدث عن ذنبه تجاه زوجته وعن تلك الليلة ليلة الحـ,ـادث. لكن شيئا يزعج ماريا بدأ يظهر تلك الصندوق الخشبي الصغير المغلق دائما على البيانو. وكلما مر أحد قربه كان ليوناردو يشيح بوجهه.
وفي ليلة هادئة مليئة بالمطر سمعت ماريا صوت خطوات مكتومة. فتحت الباب قليلا ورأت ليوناردو يجلس أمام الصندوق يمرر أصابعه فوق سطحه ويهمس لماذا احتفظت به صرير الأرض كشف وجودها. سألها ماذا تفعلين مستيقظة قالت سمعت صوتا وظننت أنك تحتاج شيئا. نظر إليها بعينين منهكتين. هذا الصندوق كان لها لزوجتي. ثم تابع بصوت متهدج قالوا إنه حادث لكن رسالتها الأخيرة قالت إنها تريد إخباري بشيء مهم شيء لم أعرفه أبدا.
اقتربت ماريا وقالت ربما لم تكن رسالتها عن ذنب بل عن غفران. تنهد بمرارة الغفران شيء جميل لكنه مستحيل لمن دمر كل شيء. أجابته كنت أظن ذلك أيضا حتى فقدت زوجي وترك لي طفلا مريضا بلا شيء. أمضيت سنوات أغتاظ إلى أن أدركت أن الغـ,ـضب يوقف الزمن ويوقفني معه. ترددت الكلمات في الفراغ كأن البيت كله أصغى لها. بعد دقائق سمعا بكاء كاميلة. ركضت ماريا إليها وهناك حدث ما لم تتوقعه.
كانت الطفلة تشير إلى خزانة الملابس. وحين فتحته صـ,ـرخت ماريا بفزع. كانت هناك صورة ممزقة يظهر فيها ليوناردو مع زوجته وخلفهما امرأة غريبة تراقبهما. كانت المرأة نفسها التي رأتها ماريا عند بوابة المنزل قبل أيام. دخل ليوناردو مسرعا. سألته ماريا من هذه تغير وجهه. هذه هيلينا. كانت صديقة زوجتي المقربة لكنها اختفت بعد الحادث. بدأ شيء ثقيل يهبط فوق صدر ماريا شعور بأن الحقيقة التي لم ترو بعد أكبر وأخـ,ـطر مما ظنته.
في صباح اليوم التالي وجدت ماريا عند النافذة سوارا ذهبيا صغيرا على شكل فراشة يحمل حروفا منقوشة H M. هيلينا مونتيرو. كان داخل غرفة الطفلة. وهذا يعني شيئا واحدا هيلينا دخلت المنزل. لاحقا طرقت امرأة الباب بخفة وكانت هي. قدمت ظرفا وقالت أخبريه أن الماضي لا يموت. واختفت. فتحت ماريا الظرف فوجدت صورة لليوناردو مع هيلينا وهي تحمل الطفلة صورة لا يمكن أن تكون موجودة. عندما عاد ليوناردو مساء ورآها تحمل الصورة أدرك أن الحقيقة خرجت أخيرا إلى السطح.



