قهوة زوجي

حركة سريعة، مابانتش، مجرد فنجان بورسلين اتزحلق على المفرش الدانتيل. إيدي كانت ثابتة، مش عارفة إزاي، بس من جوايا كنت بتـ,ـرعش لدرجة إني خفت يغمى عليّ. لما ناهد رجعت، قعدت ومسكت الفنجان اللي كان مكاني من غير ما تشك في أي حاجة. أنا رفعت الفنجان التاني على بوقي، ومثلت إني بشرب. أخدت أول بوق. وبعدين التاني. كنت مستنية حاجة تحصل فوراً.. وشها يتغير.. عمر ياخد باله.. البيت ده يتهد فوق دماغنا.

بس محصلش حاجة. الفطار كمل في هدوء قـ,ـاتل. ناهد فضلت ترغي، وعمر بياكل بشهية، وصوت المعالق مع الأطباق كان هو الصوت الوحيد الموجود. الشمس كانت لسه منورة الصالون وكأن مفيش جـ .ـريمة بتحصل. بدأت أكره نفسي. بدأت أقول إني أكيد غـ,ـلطانة.. إني مـ,ـريضة.. إني اتحولت لمجرمة قبل ما حد يعمل فيّ حاجة. بعد نص ساعة، ناهد كانت واقفة جنب البلكونة، ماسكة سبحتها وبتردد أذكار بصوت واطي. فجأة.. الفنجان وقع من إيدها.

اتدشدش ميت حتة على الباركيه. اتسمرت مكانها. لون وشها هرب في ثانية، لدرجة مابقاش شكلها بني آدم. فتحت بوقها عشان تنطق بس مفيش صوت طلع. إيد على رقبتها وإيد تانية بتخبط في الهواء كأنها بتغرق وبتحاول تمسك في أي حاجة قبل ما الدنيا تضلم. وفجأة.. وقعت. وقعة جامدة. السبحة اتفرطت جنبها في كل حتة. لثواني كانت زي السنين، محدش اتحرك. عمر فضل باصص لأمه وهي مرمية على الأرض وكأن عقله مش مستوعب اللي شايفه، وبعدين رمى نفسه عليها وهو بيصـ,ـرخ باسمها ومنهار.

أنا متحركتش من مكاني. مقدرتش. لأن وأنا واقفة بتفرج على حماتي وهي بتنازع وبتمـ .ـوت قدامي، في حقيقة واحدة مرعـ,ـبة نورت في عقلي فوق الصريخ والدوشة ودعوات عمر اللي مابتخلصش. وقفت مكاني زي الصنم، مابتحركش. عمر كان هيمـ .ـوت من الرعـ,ـب، نازل على ركبه جنب أمه، بيحاول يرفع راسها ويصـ,ـرخ يا ماما! ردي عليّ يا ماما!.. بس الحقيقة اللي نورت في دماغي في اللحظة دي هي اللي شلت حركتي تماماً.

الحقيقة هي إن عمر ما اتفاجئش إن أمه اتسممت.. هو اتفاجئ إن أمه هي اللي شربت السم، مش أنا! بصيت لعينيه وهو بيحاول يفوقها، شوفت فيها نظرة رعـ,ـب مش بس على أمه، دي نظرة واحد خطته اتقلبت عليه. في اللحظة دي فهمت كل حاجة.. هما الاتنين كانوا متفقين يخلصوا مني. القهوة اللي هو قدمها لي ب إيده، كانت بمباركة الست اللي نايمة على الأرض دي. اطلبي الإسعاف يا سارة! واقفة تتفرجي على إيه؟ عمر صـ,ـرخ فيّ وهو صوته بيترعش.

طلعت تليفوني وإيدي بتترعش، بس مش من الخـ,ـوف.. من الصدمة. طلبت الإسعاف وأنا عيني مش مفارقة وش حماتي اللي بدأ يزرق. في خلال عشر دقايق، كانت عربية الإسعاف تحت البيت في الزمالك، والسرينة صوتها مالي الشارع. الجيران طلعوا في البلكونات، والهدوء اللي كان مالي البيت اتحول لغوغاء. نقلوا الحاجة ناهد على النقالة، وعمر ركب معاهم وهو بيبص لي بصه عمري ما هنسى شكلها.. نظرة شك، عتاب، وتهديد.. كأنه بيسألني بالعين إنتي عملتي إيه؟

قعدت في البيت لوحدي. البيت اللي فجأة بقى ريحته مـ .ـوت. دخلت المطبخ، وبصيت على بقايا الفطار. فنجان القهوة اللي عمر سابه مكانه كان لسه فيه شوية. مسكته بحذر، وحطيته في كيس بلاستيك وقفلت عليه كويس. لو الموضوع وصل للنيابة، ده هيبقى طوق النجاة بتاعي. بعد ساعتين، تليفوني رن. كان عمر. أمي ماتت يا سارة. ماتت قبل ما نوصل المستشفى. صوته كان ميت، خالي من أي تعبير. ماردتش غير بكلمتين إنا لله وإنا إليه راجعون. أنا جاية لك.

روحت المستشفى، ولقيت عمر قاعد على كرسي في الطرقة، راسه بين إيديه. أول ما شافني، قام وقف. ملامحه كانت متغيرة، مابقاش فيه أثر للزوج الحنين. الدكاترة شاكين يا سارة.. بيقولوا هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة مادة غريبة. هيطلبوا تشريح الجـ .ـثه. بصيت له بثبات مكنتش أعرف إنه عندي وده حقهم يا عمر.. عشان نعرف الست الغالية جرى لها إيه وهي بتفطر معانا وفي بيتنا. قرب مني ووشه بقى قصاد وشي، وهمس بصوت واطي إنتي بدلتي الفناجين صح؟ إنتي اللي قـ .ـتلتيها.

ضحكت بوجع أنا بدلت المـ .ـوت بمـ .ـوت يا عمر. القهوة كانت مسمومة، وإنت اللي قدمتها لي بإيدك.. لو أنا اللي شربت، كنت أنا اللي زماني دلوقتي في المشرحة، وكنت إنت وأمك قاعدين بتخططوا هتقولوا للناس إيه عن مـ .ـوتي المفاجئ. الشرار طلع من عينيه، بس ملقاش رد. الخطة كانت كاملة، لولا حاسة الشم اللي ورثتها عن أبويا الله يرحمه. الجنازة كانت مهيبة. الكل كان بيواسي عمر في أمه القديسة اللي ماتت فجأة. وأنا كنت واقفة بالأسود، باخد العزا ببرود مريب. الناس كانت فاكرة إني مصدومة، بس أنا كنت بفكر في الخطوة الجاية.

بعد العزا، رجعنا البيت. الصمت كان تقيل زي الجبل. عمر قفل الباب وراه وبص لي انتي فاكرة إنك هتفلتي؟ أنا هبلغ عنك.. هقول إنك إنتي اللي حطيتي السم في القهوة عشان تخلصي منها ومن تحكمها فيكي. طلعت الكيس البلاستيك اللي فيه فنجانه من شنطتي. تؤ تؤ.. مش بالسهولة دي يا حبيبي. الفنجان ده عليه بصماتك إنت بس. وأنا أخدت عينة من القهوة اللي فيه، والتحليل هيثبت إنها نفس المادة اللي مـ .ـوتت أمك. تفتكر البوليس هيصدق مين؟ الزوجة الغلبانة اللي جوزها حاول يقـ .ـتلها، ولا الابن اللي بالغلط مـ .ـوت أمه وهو بيحاول يخلص من مراته؟

وقع على الكنبة، وشه جاب ألوان. كنتي عايزة تمـ .ـوتيني ليه يا عمر؟ أنا عملت لك إيه؟ سكت شوية وبعدين ضحك بمرارة أمي.. أمي هي اللي كانت عايزة كده. قالت لي إنك عرفتي كتير عن ورث أبويا اللي خبيناه، وإنك بقيتي خـ,ـطر علينا. قالت لي الجوازة دي لازم تنتهي، بس من غير شوشرة ولا طـ,ـلاق يخليكي تاخدي مؤخر وشقة.. المـ .ـوت كان أرخص حل. في اللحظة دي، مقـ .ـتلتش حماتي ندم.. أنا ندمت إني ضيعت سنتين من عمري مع وحوش لابسين لبس بني آدمين.

اسمع يا عمر.. قلتها وأنا قايمة ألم شنطتي. أنا همشي من هنا. والورق اللي يثبت سرقتك لورث أبوك، والبلاغ اللي هيوديك ورا الشمس في قضية قـ .ـتل أمك خطأً، موجودين في مكان أمان. لو فكرت تقرب مني، أو حتى تذكر اسمي على لسانك، هبعت كل حاجة للنيابة. فتحت الباب، وبصيت لبيت الزمالك الشيك لأخر مرة. البيت اللي كان سجـ .ـن مغلف بالدهب. القهوة المرة دي يا عمر.. هي اللي فوقتني. عيش بقى بقية عمرك مع ذنب أمك اللي ماتت بسمّ ابنها.

خرجت للشارع، ونسمة هوا باردة خبطت في وشي. لأول مرة من سنتين، شميت ريحة حرية، مش ريحة لوز مر. تمت.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى